محمد المقداد الورتتاني

262

البرنس في باريس

إلّا بعد مراجعة الأطباء وتقريرهم مدة الإقامة « وفي الغالب أحد وعشرون يوما » وما يناسب المرض من تلك العيون ، ومقدار ما يؤخذ من الماء في الأوقات اللائقة . والأجر عن هذا كله مع المراجعة مدة الإقامة ستون فرنكا . وعين سيليستان مباحة الشرب بلا قانون ولا ثمن للأصحاء والمرضى . كان صاحب النزل الذي أقمت به « أتيل ميلان » بنهج نيم ، ودلنا عليه النجيب السيد محمد جمال الذي لاقانا بكل بشاشة ، على عادة هاته العائلة في حسن الأخلاق والمجاملة . يرسل من يأتي لنا من ماء هاته العين ما يروينا ونحن على مائدة الغداء والعشاء ، وله طعم لذيذ لا تعطيه القوارير المجلوبة ، ولا الأتربة المنسوبة . ولمياه العيون نظام غريب في النظافة وسرعة المناولة ، تدور حلق الوراد وتجتمع طلاب الشفاء حول درابزون وراءها فتيات طوافات بأكواب يملئنها من الماء المتدفق في الحياض المحيطة بالعين من جميع جهاتها ، وقد ضربت عليها قباب البلور وبالأخص عين كران كري وعين الأبيتال « المستشفى » . تكاد قرية فيشي التي جاءت في وسط أراضي الزراعة وترتفع عن البحر بأمتار 264 أن تكون كلها مساكن للوفود الكثيرة في أشهر المصيف جوان وجويليه وأوت ، فتتلقاهم بصدر رحب وعيش خصب . وأسعار المآكل والمساكن في فيشي أرخص من جميع ما نزلت به في بلدان الرحلة . وبها للخضر واللحوم والزبد والغلال سوق أكثر نظاما وأوفر بضاعة وأرخص أسعارا مما يعهد في فندق الغلة عندنا بتونس ، فلا ينقطع عمرانه صباحا ولا مساء . وجل البضائع في هذه السوق بيد النسوة يبعنها حسب رغبة المشتري صبرة ووزنا . وبقية المبيعات من غير الضروري كمستظرف المصنوع أسعارها مرتفعة . وقد أفاض على أسواق فيشي معمل بوهيميا النمساوي بمختلف الأشكال والألوان من البلور الجميل ، وكتب على نفسه أن يخلب بها الأبصار ، ويستنزف بها الدرهم والدينار من أغنياء الأقطار . يرجعون به زينة وذكرى لمنازلهم مع ما في حمله من المخاطرة به وارتفاع ثمنه . فيشي بها البضائع المختلفة حتى الشرقية التي قام بالمشاركة بها في معرض مصنوعات الأمم السيد محمد جمال بدكان واسع جوار أتيل ميلان الذي نزلناه ، مفعما بأنواع المنسوجات والمطرزات والعطورات التونسية والزرابي القيروانية . وفيشي مثلما هي معرض للبضائع هي معرض لأجناس البشر أيضا فتسمع بها اللغات المختلفة ، وترى فيها الوجوه المتباينة زيادة على صبغة الأمراض